الاثنين، 21 نوفمبر 2016

حديث الإثنين | الحلقة 158 (يوسف العزيز-18- سر القوة اﻹيمانية):


حديث الإثنين | الحلقة 158 (يوسف العزيز-18- سر القوة اﻹيمانية):
توقف الدور الذي يقوم به يعقوب اﻷب، وتوقف دور أولاده، لتبدأ قصة يوسف منفردا، ستأتي مشاهد جديدة في بلد غير بلدهم، وعادات غير عاداتهم، ودين غير دينهم، وخلق غير خلقهم... كل شيء يتغير على يوسف الصبي... من البدو إلى الحضر من سعة اﻷفق إلى ضيق القصور واكتظاظ المدن، ولكنها قارب النجاة من التوحش اﻷسري، والتوحش اﻷسري يكون أشد وأنكل من المغتربين، فهو مبني على سلسلة متراكمة من اﻷحقاد، وما إن تكشفت عن أسباب اﻷمان إﻻ غارت أحقادها هوة ساحقة بين المتناحرين.
حديث الإثنين | الحلقة 158 (يوسف العزيز-18- سر القوة اﻹيمانية):


فحتى تنجو برعمة الصبي من خنجر اﻹخوة كان ﻻ بد من طريق طويلة تدس زهرته عن مخالبهم، هو لطف الله بعباده المخلصين، وبذلك نجى موسى من قوانين فرعون بيم مصر، والتحق بماء مدين من عرين حاقديه، وكذا هاجر نبينا من كيد أبناء عمومته، ورحل إبراهيم من غضاضة أبيه وقومه.
ولكن ما الذي حصن يوسف وهو صبي من ثقافة مصر آنذاك؟. الكثير من اﻵباء يزجون بأبنائهم في الغربة لنيل الشهادات من الجامعات والكليات حيث المدن المتمدنة بخليطها التعبوي الطيفي الممتزج بالثقافات الغربية الغريبة، وبعض تلك المدن غاربة الحبال عن أخﻻقنا ومبادئنا... فكيف السبيل إلى إحصانهم من التيه و وقايتهم من الانفﻻت الأخﻻقي؟.
فلنفتش قليلا في هذه السيرة لنعلم جوهر الجواب... تربى يوسف -عليه السﻻم- في البيت الصالح واﻷسرة المدينة للدين القيم، فأخرجت معدنا مخلصا من الشائبات، ذلك المعدن نقش على لجينه بمداد التبر عهدا متينا وميثاقا غليظا ﻻ يمكن أن يذاب وإن أحيط بنيران الدنيا وقد صرح به العزيز مع صاحبي السجن إذ قال الله تبارك وتعالى على لسانه:{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
إذن الحصانة جاءت عن طريق اﻷسرة الصالحة وتلقينها الجيد لبرعمها الناشئ، وتربيته على العقيدة السليمة تربية عقلته عن ملل الناس الفاسدة ولذلك نجد عمق تربيته قد نجحت في اجتياز صراعه مع أولئك الناس ومجتمعهم الغائط، قال الله تبارك وتعالى على لسانه أيضا:{إني تركت ملة قوم ﻻ يؤمنون بالله وهم باﻵخرة هم كافرون}.
وكذلك لم يتوقف دور اﻷب عند الحزن والصبر على مجيء الفرج، وإنما استمر في الدعاء لفلذة كبده بالحفظ عندما عدمت الحيل وانقطعت السبل: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}.
إذن التربية السليمة على العقيدة السليمة عند منبت الطفل وتعهد تلك النبتة بالسقي الدائم، والدعاء لله بالحفظ والعناية عند البعد... سيدفع بتلك النبتة أن تشق عروجها عبر مسامات التربة المتراكمة لترتفع شامخة إلى السماء فتينع أزهارا نظرة وثمارا فكهة... اللهم احفظ أولاد المسلمين من كل سوء. 

✒أبو عبدالرحمن سامي بن محمد السيابي

الموضوع السابق
الموضوع التالى

كتب الموضوع بواسطة :

0 coment�rios: