الاثنين، 15 فبراير 2016

حديث الإثنين| الحلقة 120 (الدكتور مصطفى محمود):

حديث الإثنين| الحلقة 120(الدكتور مصطفى محمود):

ما فتأت أذكر عندما كنت صغيرا كنت أنتظر و أهلي بشغف حلقة تبث مساء كل إثنين بالثامنة والنصف، بعنوان "العلم والإيمان" للدكتور #مصطفى_محمود، وكنت أستشعر معهم حلاوة الموضوعات وطلاوة الأسلوب، ومتعة الرتع التي نرتحل معه في برامجه الشائقة من روضة إلى روضة، حلقات علمية محكمة وسط بساتين إيمانية، يبدأها بالبسملة، ثم يرحب بمشاهديه:"أهلا بيكم"، ثم بمقدمة بسيطة ثم يعرض فلما قصيرا توضيحيا يعلق عليه وكأنه بمعيتنا يحدثنا لما توصلت إليه اكتشافات العلماء من الذرّة حتى المجرّة متتبعا تاريخها وموضحا إيوقانت وما توصلت إليه العلوم بترجمة بالغة الدقة، بصوت هادئ وعبارات سهلة غايتها تلميع جوهر الإيمان في القلب، و تغذية الفكر و صقل عقل المسلم ،
- وهدفه أن: (العلم لا ينفك عن الدين الذي يحث عليه) وبذالك نافح عن الإسلام.

حديث الإثنين| الحلقة 120 (الدكتور مصطفى محمود):

- لا يخفى عليكم أني قضيت الكثير من وقتي في الأسبوع الماضي أتتبع حلقات الدكتور مصطفى محمود على اليوتيوب، على حساب ساعات نومي -رغم انشغالي-، فما زال شغفي واقدا لبرامجه المنورة، حتى سال لعاب حديث الإثنين أن تتذوق صفحاته عالما عبقريا فريدا بين رفوفه شرفا كبيرا لكنز عظيم ليس للأمة المصرية فحسب بل للأمة جمعا، بل للبشرية قاطبة، ولست مبالغا إن قلت أنه رائد العلماء في تفسير القرآن الكريم تفسيرا علميا، و أنه تتلمذ على يديه ملايين المشاهدين في الوطن العربي، فكانت برامجه تملأ القنوات زخرفا تستقطب أضواؤه فراشات الإصغاء.
ولم تكن هذه الحلقة لتستوعب شعرة من إنتاجه الواسع، لكن الغاية منها دفع القراء الكرام لقراءة كتبه ومتابعة برامجه الثرية بـ( العلوم الإسلامية والفلسفية والاجتماعية والأدبية) والمفحمة بالإيمان النقي الخالص التقي-ولا أزكي على الله أحدا-، ونصائحه وتصوراته لقضايا الأمة الجوهرية.
بدأت في نفسيته المستكشفة وسيلة التفكّر والتأمل في سنٍ مبكر، و قد وهبه الله تعالى عقلا فذا وشخصية مستقلة غير تقليدية، فنأى بنفسه كثيرا عن الناس لأجل إيجاد مخرجا لطموحاته اللامحدودة، وكأنّه أصيب بالتوحّد، وحصل على معدل كبير في الثانوية، أهّله ليكون ضابطا في الكلية الحربية المصرية، لكن ذاك لا يلاقي شغفه، فدخل كلية الطب، وتخصص في التشريح، لا لأجل الطب وإنما لحب الاستكشاف فيما داخل الإنسان من أسرار، وفي إجازته الدراسة اشترى نصف جثة محنطة بما لديه من نقود، وظل يشرّحها، ويتتبع شرايينها وأوردتها ، وكان يضمها تحت سريره عند نومه، لشدة حرصه على كسب المعرفة، و رغم تفوقه على رفاقه تأخر عن التخرج، فقد أثرت فيه مادة تحنيط تلك الجثة، فمرض لثلاث سنوات، فحُبِس خلالها في غرفة حتى يشفى،واستغلّ مدّة حبسه ليقرأ الأدب العالمي أغلبه، فخرج منها أديبا فذا .

أعجب به الأديب الكبير عباس محمود العقّاد صاحب العبقريات، ففتح له العقّاد بابا ليلج بإنتاجه الأدبي في الصحف، فنال إعجاب الناس لقصصه وكتاباته، وحصل على جائزة الأدب في مصر، و استغل تكسبه منها ليشتري كتب الطب في دراسته، و كتبا لمعارفه،
لكن رغبته في اكتشاف أسرار الكون ما زالت واقدة، فعكف على دراسة الشرائع السماوية، والوضعية حتى البوذية لمدة عشر سنوات، وقرأ الفلسفة بتمعّن حتى تمكن منها، ولكنه لم يجد ضالته إلا في الإسلام، وكان استقراره كما قال: عند أول سجدة يسجدها لله، ففيها وجد ضالته و مرتعه، فدرس القرآن وسيرة نبي القرآن، فتخرّج مفسرا علميا هو صاحب أول مدسة للتفسير العلمي للقرآن الكريم( ولكل عالم مدرسته، وإلاّ لا يكون مجددا)، تبعه بعدها من تبع، و خاض في بداية مدرسته تلك مخاضا عسيرا من الاعتراضات المنغلقة.

أنتجت يراعة الوارفة تسعة و ثمانين كتابا علميا، و وصلت برامجه 400، و لم تقف دعوته عند ذلك الحد فكان يقول:"إزّاي ألاقي ربنا بشوية كلام". فشرع إلى الأعمال الخيرية فبنى مسجدا سماه باسمه، ومستشفى يعالج فيه أصحاب الدخل المحدود بالمجان، ومراكز صحية، وكان يتنتقي الأطباء بدقة وعناية، وكفل 60 ألف أسرة معوزة، وله مراصد فلكية... ورغم ما قيل عنه، غير أنه استمسك بوريد الدين، القرآن والسنة الصحيحة، و كانت عبادته التي أتقنها التأمل والتفكر في ملكوت خالقه الذي آمن به إيمانا حقيقيا غير موروث، فخلع نعليه ودخل حمى أسراره، وشرب من معينه بذائقة نورانية، فعاد يصف لنا كؤوسا فضية بأشربة مزاجية، لا يستشعر لذتها إلا عاشق متصوف في يقين. 

وفي آخر عمره مُنع ظلما من تقديم برامجه التي هي نافذته لدعوته، والتي ضحى لأجلها بمهنة الطب، وعرضت عليه الوزارة عدة مرات فرضها واعتبرها"كلام فارغ" أقل مما يدعو له من خير، فأصيب بحسرة نفسية أدّت إلى وفاته، فخسرت الأمة الإسلامية عبقريا قل ما نجد مثله في التاريخ الإسلامي، جمع بين الأدب والفلسفة والعلم والإيمان والهمة العالية و التجديد الدعوي بمزج العلم بالإيمان لمعرفة عظم الخالق -جل شأنه-، وقد أجاب على ترهات الملاحدة، والعقلانيين وغيرهم وهو خير من يجيب عليهم،غفر الله له وأدخله فسيح جناته.


✒أبو عبدالرحمن سامي بن محمد السيابي
للنشر رحمكم الله

لمتابعة حلقات #حديث_الإثنين على مدونة #الأبجدية

(إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)
الموضوع السابق
الموضوع التالى

كتب الموضوع بواسطة :

0 coment�rios: